أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
474
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أنها تعود على الأختين يدلّ على ذلك قوله : « وَلَهُ أُخْتٌ » أي : فإن كانت الأختان اثنتين . وقد جرت عادة النحويين أن يسألوا هنا سؤالا وهو أنّ الخبر لا بد أن يفيد ما لا يفيده المبتدأ ، وإلّا لم يكن كلاما ، ولذلك منعوا : « سيد الجارية مالكها » لأن الخبر لم يزد على ما أفاده المبتدأ ، والخبر هنا دلّ على عدد ذلك العدد مستفاد من الألف في « كانَتَا » . وقد أجابوا عن ذلك بأجوبة منها : ما ذكره أبو الحسن الأخفش وهو أنّ قوله « اثْنَتَيْنِ » يدلّ على مجرد الاثنيية من غير تقييد بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف ، يعني أن الثلثين يستحقان بمجرد هذا العدد من غير اعتبار قيد آخر ، فصار الكلام بذلك مفيدا » . وهذا غير واضح لأنّ الألف في « كانَتَا » تدل أيضا على مجرد الاثنيية من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف ، فقد رجع الأمر إلى أنّ الخبر لم يفد غير ما أفاده المبتدأ . ومنها : ما ذكره مكي عن الأخفش أيضا ، وتبعه الزمخشري وغيره وهو الحمل على معنى « من » ، وتقريره ما ذكره الزمخشري ، قال رحمه اللّه : « فإن قلت : إلى من يرجع ضمير التثنية والجمع في قوله : فإن كانتا اثنتين ، وإن كانوا إخوة » ؟ قلت : أصله : فإن كان من يرث بالأخوّة اثنتين ، وإن كان [ من ] يرث بالأخوّة ذكورا وإناثا ، وإنما قيل : « فإن كانتا ، وإن كانوا » كما قيل : « من كانت أمّك » فكما أنّث ضمير « من » لمكان تأنيث الخبر كذلك ثنّى وجمع ضمير من يرث في « كانتا » و « كانوا » لمكان تثنية الخبر وجمعه » وهو جواب حسن . إلا أن الشيخ « 1 » اعترضه فقال : « هذا تخريج لا يصحّ ، وليس نظير « من كانت أمّك » لأنه قد صرّح ب « من » ولها لفظ ومعنى ، فمن أنّث راعى المعنى ، لأن التقدير : أية أمّ كانت أمك » ومدلول الخبر في هذا مخالف لمدلول الاسم ، بخلاف الآية فإن المدلولين واحد ، ولم يؤنث في « من كانت أمك » لتأنيث الخبر ، إنما أنث لمعنى « من » إذ أراد بها مؤنثا ألا ترى أنك تقول : « من قامت » فتؤنث مراعاة للمعنى إذ أردت السؤال عن مؤنث ، ولا خبر هنا فيؤنّث « قامت » لأجله » . انتهى وهو تحامل منه على عادته ، والزمخشري وغيره لم ينكروا أنه لم يصرّح في الآية بلفظ « من » حتى يفرّق لهم بهذا الفرق الغامض ، وهذا التخريج المذكور هو القول الثاني في الألف . والظاهر أنّ الضمير في « كانَتَا » عائد على الوارثتين . و « اثْنَتَيْنِ » خبره ، و « له » صفة محذوفة بها حصلت المغايرة بين الاسم والخبر ، والتقدير : فإن كانت الوارثتان اثنتين من الأخوات ، وهذا جواب حسن ، وحذف الصفة لفهم المعنى غير منكر ، وإن كان أقلّ من عكسه ، ويجوز أن يكون خبر « كان » محذوفا ، والألف تعود على الأختين المدلول عليهما بقوله : « وَلَهُ أُخْتٌ » كما تقدّم ذكره عن الأخفش وغيره ، وحينئذ يكون قوله : « اثْنَتَيْنِ » حالا مؤكدة ، والتقدير : وإن كانت الأختان له ، فحذف « له » لدلالة قوله : « وَلَهُ أُخْتٌ » عليه . فهذه أربعة أقوال . و إِنْ كانُوا في هذا الضمير ثلاثة أوجه : أحدها : أنه عائد على معنى « من » المقدرة تقديره : « فإن كان من يرث إخوة » كما تقدّم تقريره عن الزمخشري وغيره . الثاني : أنه يعود على الإخوة ، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل ، فإنّ الإخوة يشمل الذكور والإناث ، وإن كان ظاهرا في الذكور خاصة فقد أفاد الخبر ما لم يفده الاسم ، وإن عاد على الوارث فقد أفاد ما لم يفده الاسم إفادة واضحة ، وهذا هو الوجه الثالث . وقوله : « فَلِلذَّكَرِ » أي : منهم فحذف لدلالة المعنى عليه . قوله : أَنْ تَضِلُّوا فيه ثلاثة أوجه :
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 408 ) .